عبد الكريم الخطيب

305

التفسير القرآنى للقرآن

التفسير : مثل آخر من بني إسرائيل تعرضه الآية الكريمة لأنظار المسلمين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلّا أن يقولوا ربنا اللّه . . وفي هذا المثل يرى المسلمون صورة كريهة للمهانة والذلة تركب القوم ، فإذا هم جبناء أذلّاء ، لا يدفعون عن حرماتهم ، ولا يردّون يد العدوّ المتسلط عليهم ! إن هؤلاء الملأ من بني إسرائيل - وهم سادة القوم وأشرافهم - هم أبناء أولئك الذين أماتهم اللّه ثم أحياهم ، بأن أدخلهم الأرض المقدسة ، وجعل لهم مقاما فيها ، فلما ركبهم البغي والعدوان سلط اللّه عليهم من بدّد شملهم ، وخرب ديارهم وأزال ملكهم ، ونبذهم بالعراء في تيه أشبه بالتيه الذي عاش فيه سلفهم . . وإذ دبّ في القوم دبيب الحياة ، وتحركت فيهم أثارة من نخوة ورجولة قالوا لنبيهم : اختر لنا ملكا نجتمع إليه ، ونقاتل تحت رايته ، لنستعيد ملكنا ، ونجتمع إلى ديارنا ! ونبيهم يعلم من أمرهم ما لا يعلمون ، ويرى من أنفسهم ما لا يرون . . إنهم أكثر الناس أقوالا وأقلّهم أفعالا . . يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ! « قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » . فيلقاهم النبىّ بما يتوقع أن يكون منهم . . « قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا ؟ » . وتأخذهم الحميّة ، وتغلب عليهم شهوة القول . . فيقولون : « وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا ؟ » . . إنهم يجدون أكثر من دافع يدفعهم إلى القتال . . لقد أخرجوا من ديارهم وأموالهم ، وشرّدوا هم وأبناؤهم . . فهل يصبر على هذا الضيم أحرار الرجال ؟ ولكن أين هم الرجال ؟